وقف أمامي متعلثما متوترا يمشي في خطى حائرة ,تجاهلت وجوده فرحل, لكنه بقي يراقبني من بعيد ,ينظر لي بإشفاق ,ولازلت كما أنا لم أعره أي اهتمام, كنت أسير في ذلك الطريق المزدحم وحيدة ,حاولت إنكار ذلك الاحساس المغلف بالخوف والألم واللهفة الشديدة .. وعلى الرغم من احساسي بابتعاده تولدت في داخلي مشاعر تساؤل وفضول.. من يكون ؟؟ وما الذي أراده؟؟ ندمت لحظات عن عزوفي عنه...لأني لم أتح له فرصة السؤال فلربما كان يحتاج مساعدة ما؟! ولكني في الآن نفسه واثقة القرارات ... أعلم بأني فعلت ذاك لصالحي فأنا فتاة ...والكل يعلم ما تعني كلمة فتاة!! .لم تقيدني يوما سلطة ما هي أقوى مني فبالعكس من ذلك أنا من صنع حدود مملكتي ..أنا من يدير حياتي .. أنا السلطة الوحيدة في ذاتي.. الكل يتساءل... لكن هل ندع تساؤلاتنا هذه تجرفنا إلى دروب مغلقة؟ إلى متاهات قد لا نستطيع الخروج منها؟.
عدت إلى المنزل وما أن ولجت إلى الداخل حتى وجدته ! بنفس النظرات بنفس التوتر لم يستطع النظر إلي ...كان خجلا , وحين اقتربت منه...أشاح بوجهه عني ثم ذرفت عيناه الدموع , ومن ثم سمعت صوتا من خلفي.. كان أبي.. وقد بدا غاضبا مني:
"إذا لقد عدتي!"
لم أفهم ما الذي كان يعنيه! إلا أن فضولي تجاه هذا الشخص الغريب كاد يقتلني
فقلت : "من يكون؟؟"
هنا أتت والدتي وقالت: "لم يكن من المفروض أن تكوني قاسية هكذا "
نظرت إليها بدهشة: "أنا؟؟!! ما الذي فعلته ؟؟!! هلا أجابني أحدكما"
.. وحين لم ألق ردا التفت لأسأل ذاك الغريب.. كنت أعلم بأنه السبب في هذا .. لكنه قد رحل ..فعجبت تركه الباب مفتوح ..ولا أعلم لم حيرني هذا الأمر بالذات!!! سرت حائرة إلى حجرتي.. لا أدري ما الذي يدور حولي حتى غافلني النوم ونمت.
في صباح اليوم التالي وجدت وردة حمراء بجانبي وبقربها ظرف ترددت في فتحه "ترى ممن يكون؟؟" ولأني كنت في وقت أحتاج فيه لإجابات واضحة فتحت الظرف لكنه لم يكن يحوي أية رسائل ..كان خاليا سوى من مفتاح صغير وقد كتب على الظرف (إلى صاحبة المفتاح) كل ما جال في خاطري حينها هو ذلك الشخص فلربما أراد إعطائي هذا المفتاح منذ البداية لكني لم أر هذا المفتاح في حياتي! وحين وجدت نفسي عالقة في هذه الدوامة ذهبت مسرعة إلى المكان الذي رأيت فيه الشخص الغريب وقد وجدته جالسا هناك , وحين رآني ابتسم واحمر خجلا .. كانت عيناه تنطقان ببراءة طفل غرير
وقال: " كنت أعلم بأنك لن تخذليني "
فسألته :"أتنتظرني؟ "
فقال : "أنا أفهمك جيدا .. أنا جزء منك حتى لوأنكرتني..
قد لا نتفق أحيانا لكننا في النهاية ذات الانسان "
لم أستطع إجابته فتطلع هو إلى نظراتي التعيسة المتسائلة وابتسم من جديد ثم وضع بين يدي علبة حمراء مغفلة
وقال: "هل أحضرت المفتاح؟"
فقلت:" أجل "
أخرجته وحين كنت أحاول فتح العلبة سألته: "من تكون؟"
لم يجبني بل اختفى من أمامي وحين فتحت العلبة وجدت بداخلها قلبا صغير.. قلبا خجول .. قلبا بريء.. تطلعت فيه للحظات.. ثم أيقنت حقيقة الأمر.. حقيقة أن يدفن الانسان ما بداخله لأنه لا يريد المجازفة, حقيقة أن نتمادى في وضع أنفسنا داخل حدود معينة فنقتل شيئا ما بداخلنا, حقيقة أن الدوافع التي بداخلنا نحن من يحركها ونحن من ينهيها, حقيقة أنك لا تسمح للحب بأن يحتويك حين تظن بأنه خروج عن عالمك الذي رسمته أنانيتك المفرطة! من حق الجميع أن يحب لكن ليس من حقنا أن نخطئ بدافع الحب, ليس من حق أيا كان أن يميت قلبه من الاحساس لأنه يظن بأنه سبيل هلاك وخروجا عن القواعد, كل ما أردته في تلك اللحظة أن يعود لأقول له :
"قلبي.. أحبك!"
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق